كوني لم أكتب منذ فترة فلن أطيل عليكم ، قصتان يتبع كل منهما سؤال وأنتظر ماتطرحون من أراء بفارغ الصبر ..
خلال تواجدي في إحدى المستشفيات في وقت من الأوقات في قسم من الأقسام (حفاظا على خصوصية المرضى مع تغيير قليل من التفاصيل) وأثناء مرورنا على المرضى أوقفنا الإستشاري المسؤول عند إحدى الغرف قبل أن ندخل وقال لنا: “هذه الحالة نعالجها علاجا تخفيفيا نظرا لعجزنا عن علاج المرض الأساسي ، فرفقا بالمريض وأهله” ودخلنا الغرفة ، المريض كان شخصا مصابا بتأخر عقلي منذ ولادته وفوق ذلك أصيب بالسرطان الذي انتشر في جسده ولم يعد من الممكن استئصاله ، وحاليا المريض يعاني من إلتهاب بكتيري ..
دخلنا الغرفة لنجد المريض متألما ولا يريد من أحد الإقتراب منه ويبدو واضحا إصابته بإلتهاب بكتيري في عينه بالإضافة لما أظهرته الفحوص من إلتهاب في الصدر ، الإستشاري المسؤول بدأ بالسلام على والدته والدعاء لها بالصبر والجزاء والدعاء لإبنها بالشفاء ثم شرح لها طبيعة الوضع وأمر بزيادة جرعة مسكنات الألم وإعطاء المضادات الحيوية ومن ثم غادرنا ..
في اليوم التالي علمت أن الإستشاري قد ذهب في إجازة في حين عاد آخر منها ، وكنت متواجدا أثناء تسليمه حالات المرضى ووضعهم خلال فترة غيابه ، وسارت الأمور على مايرام حتى وصلنا إلى الحالة التي ذكرتها سابقا ، حيث لم يعجبه قرار الإستشاري الآخر بإعطاء المريض المضادات الحيوية وقال: “هذه العدوى هي أفضل طريقة ليموت بها المريض ، علاجها سيمدد فقط من معاناة المريض وأهله” ، أصبت بصدمة ..
من جهة فإني أتفهم وجهة نظره ، فالمريض أساسا يعاني من مرض عقلي يجعله غير قادر على الإعتناء بنفسه ، وفوق ذلك مصاب بمرض لا يمكن علاجه ، والمريض يعاني من عدوى قوية ، وحالة المريض لا تسمح له بالعودة للمنزل وفي نفس الوقت فهناك مرضى كثيرون لديهم أمل أكبر بالشفاء من السرطان لو استطاعوا الحصول على سريره في المستشفى ..
من الجهة الأخرى -وهذا رأيي الشخصي وما سأفعله مستقبلا بإذن الله- فإن كنا لا نستطيع علاج السرطان المنتشر في جسده فإن بإمكاننا علاج الإلتهاب ، وترك المريض ليموت بسبب مرض نستطيع علاجه أمر أراه غير صحيح إطلاقا ، إن كان المريض سيموت فأنا أرى أن يموت وقد بذلت كل ما أستطيع لعلاجه ومات بسبب شيء لا أقدر عليه ، أما بالنسبة لحصوله على سرير بدلا من أشخاص لهم فرصة أكبر في الشفاء فلا أعتقد أن من العدل تفضيل مريض على آخر ..
ماذا ستفعل لو كنت في هذا الوضع؟ أتعالج ثلاثة مرضى وتترك واحدا ليموت أم تعالج واحد لا أمل في شفاءه تاركا ثلاثة مرضى بالإنتظار وإن أدى ذلك لسوء حالاتهم؟
القصة الأخرى لحالة أخرى في زمن آخر ومكان آخر ، طفل صغير تم إحضاره إلى المستشفى يشكو من مشكلة ما ولا داعي للخوض في التفاصيل بعد إجراء الفحوصات اللازمة تم إكتشاف إصابته بمرض ما وتبدو فرص الشفاء منه جيدة جدا ، فقط بحاجة لان يتم إدخاله إلى القسم لمدة أسبوع ومن ثم يتلقى العلاج في العيادة دوريا ، المشكلة كانت أن القسم ممتلئ للغاية وقائمة الإنتظار مليئة ، والمشكلة الأخرى كانت ان الطفل ليس سعودي الجنسية ، وبالتالي فإدخاله للمستشفى الحكومي مجانا كان يندرج تحت بند “إن رأى الطبيب ذلك” او عليه أن يدفع تكلفة العلاج وهي تكلفة مرتفعة جدا ..
الطبيب المسؤول رفض إدخال الطفل ، فقط أمر بعلاجه من الشكوى الحالية وإبلاغ أهله بحالته ووجوب علاجه في مكان آخر أو بدفع تكلفة العلاج ليدخل ضمن قائمة المرضى السعوديين دون تفضيل لهم أو عليهم ، أسبابه التي ذكرها كانت أن القسم ممتلئ وهو مكلف من قبل الحكومة بعلاج المرضى السعوديين أولا ، وهو ليس مستعدا لأن يخاطر بصحة مجموعة منهم من أجل حالة ليس ملزما بعلاجها خصوصا وأنه أوضح لأهله حالته ..
مرة أخرى السؤال يطرح ، هل أقوم بعلاج مريض لست ملزما بعلاجه واخاطر بصحة آخرين أم اتركه يعاني من أجلهم؟
ومن ثم السؤال الذي يغيظني جدا: لماذا نقسم على علاج المرضى دون تفرقة بينهم إن كان يُفرض علينا أن نعالج المواطن قبل المقيم؟! هل هذا عدل؟!
الطفل وجد رجالا فيهم من الخير ماجعلهم يتكفلون بعلاجه ولله الحمد .. لكن المشكلة تظل قائمة ..
كما يقولون: قرارات قرارات .. اختر بحكمة ..
***
بإذن الله سأقوم خلال التسع مقالات بين الهرطقة 41 و49 بتغطية مجموعة من الأسئلة التي تطرح نفسها ، وفي المقال الخمسون سأقوم بالإجابة على خمسين من أسئلتكم التي تطرحونها عبر صفحة ©Contact LiverOmar خلال فترة التسع مقالات
LiverOmar©
قلم رائع وأسلوب جميل .
قدّ لا يكون هنا الحكم صحيح تماماً ، لأن كل جانب يحمل نسبة من الخطأ ..
في اعتقادي مريض بين يديّ يستحق الأولوية وكامل الرعاية بعيد عن إفتراض أن التوقف عن علاجه وإدخار الوقت والعلاج لعلاج أخر لمجرد الإفتراض بأنه قد يكون موجود .. فقط بالحالات الطارئة هناك معايير خاصة .
افتراض أن الإمتناع عن علاج شخص مما يؤدي لوفاته هو أفضل له ولعائلته .. أعتقد أسرة تريد الخلاص من مريضها لن تبحث عن (طبيب/ة) لعلاجه ، والله وحده من يملك القرار بإنهاء حياة أحد أو إمدادها .
واجب الطبيب/ة أن يؤدي ما عليه و ينفي عن ذاته إحتمالية ولو بأعشار المئة سببا في سوء حالة مريض او وفاته
آخيرا حمل شهادة إختصاص ( الطب البشري ) تلزم بعلاج البشر بدون تفرقة جنس او دين أو عرق او أي شيء آخر ، رغم أن جزء من أخلاق الإنسانية قد يحتم عليك علاج حيوان ان أستطعت ..
لكن أحدى قوانين البشر : ليس كل مُفْتَرض فَرّض.
ومحاولة مخالفتها تجبرك دفع الثمن وليس دائماً الثمن هو المال .
هذا رأيّ اليوم ولا أدري أي نسخة من أساتذتك قدّ أكون عليها غداً.
:)
السلام عليكم
شكرا لتجسيد الواقع بمصداقية من خلال بث تجاربك بمقالتك هذه
كما اشدت في الحالة الاولى يبدو ان هناك وجهات نظر لا نفقهها لبعض دكاترتنا او بالأحرى ربما لأننا كتاكيت او مافقسنا من البيضة مايحق لنا نتناقش مع استشاريين في امور نراها خاطئة ,, وبرأيي ان الحياة والموت مسألة متعلقة بالخالق لادخل لنا بها ,, وليس لنا الحق كأطباء عاهدنا ان نفعل ما نستطيع لمعالجة اي شخص ان يكون مسارنا كذاك الطبيب وان كانت الحالة ميؤوس منها فالرجاء من الله وحده ,, ولنعلم ان امكانياتنا محدووووودة ودورنا ثانوي ونحن لسنا سوى سبب سخره الله لمرضانا,,
ولا اظلم طبيبنا هذا بقولي فلربما كانت نواياه حسنة !!
وبالنسبة للحالة الأخرى يامكثر ماسمعت وشفت بس الحمد الله اتضح انو في دكاترة كتير بتكسر القوانين والاعراف عشان يحافظو على قسم اخذوه امام ربهم وامام انفسهم الى ان يشاء الله
واجابة على سؤالك..
انا مهمتي اعالج المرضى اللي امامي ايا كانو ميؤوس منهم, مقيمين مدام جو عندي ماراح اردهم لأني كدا برد النعمة اللي ربي اتفضل بيها عليه !!
نفع الله بنا المرضى والمحتاجين
واشكرك مجددا لأن المقال اضاف قيم علينا انتهاجها من الآن الى اخر المشوار
و في المستشفيات الكثير من هذه الحكايا ..
و لانزال نتعجب من تناقض مواقفهم ..
تلك وجهة نظرهم و لهم الحق و ربما تحكمهم أمور إدارية لايستطيعون مخالفتها ..
و عن نفسي.. أتفق معك في ألا أدّخر جهداً في علاج مريض إذا كنت قادرةً على ذلك بحجّة أن الموت أفضل له ، لأنني لا أملك الحق في إنهاء حياة انسان ..
و قد استخدمنا الله لخدمة عباده أياً كانوا فلافرق لمريض على آخر ..
أعتقد أننا الآن تحكمنا المثالية فلم نوضع في ذات الموقف و لانعلم هل ستتبدل آراؤنا أم تظل على حالها ..
و يالها من قرارات و يالها من حكمة !!
تدوينة رائعة ، و مواقف تستحق الوقوف عندها ..
بارك الله فيك ، و بالتوفيق ..